محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1022
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقالا وإضاعة المال وكثرة السؤال » وذكر لنا أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - « والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب ويحمله على عنقه وظهره خير له من مسألة الناس أعطوه أو منعوه » وقال : « 1 » « إنّ اللّه يحبّ الغنيّ المتعفّف ويبغض الفاحش السّئل الملحف . » وقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ لا يضيع عنده ما قلّ وكثر . الأسرار قال الفقراء المتعفّفون : إنّ اللّه تعالى أثنى على الفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه وأظهروا من أنفسهم الغنى تعفّفا ، ولا يسألون الناس إلحافا وتكلّفا ؛ وقال : تعرفهم بسيماهم ، وسيماهم هو عين تعفّفهم وعيافهم عن السؤال لا ما قاله المفسّرون هو الفقر والمسكنة ( 419 ب ) وصفرة الوجه ورثاثة الثوب ؛ فإنّ ذلك يناقض وصفهم الذي وصفهم به ، فهم أغنياء الظاهر عند العامّة أغنياء الباطن عند الخاصّة ؛ فأسرارهم مشغولة بذكر الحقّ ، لا يسألون الناس شيئا حتّى لا يكونوا ملحفين معوّلين على عطاياهم ، ولا يسألون اللّه تعالى شيئا ، فيكونوا متوكّلين كما قال : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » والسؤال في كلا الحالين يخلّ بالتوكّل ويشغل الذاكر عن الذكر . وسرّ آخر : وصفهم اللّه تعالى بأربع خصال : الفقر والإحصار وإظهار الغنى وترك السؤال ؛ وتلك خصال الرجال فإنّ الفقير إذا لم يكن محصرا اكتسب فيزول فقره ؛ فالإحصار إذا كمال الفقر ، وإنّ التعفّف بالغنى ، لو ألحف بالسؤال زال تعفّفه بالغنى . فترك السؤال كمال التعفّف ، فبالفقر على كماله يزول عنه حبّ المال ، وبالتعفّف على كماله يزول عنه حبّ الجاه والشرف ، وذاك الفقر إذا شخّص فهو الصوم والصبر من بابه ، وهذا التعفّف إذا شخّص فهو الصلاة والخشوع من بابه ؛ وحبّ المال والشرف هما الذئبان الضاريان والاستعانة عليهما بالصبر والصلاة ، فتضمّنت الآية جميع خصال الخير . وسرّ آخر : الفقير إلى العلم إذا أحصر فهو أقرب إلى حصول العلم له ؛ فإنّ الحاجة إذا بلغت الكمال فاضت عليه الأسرار ؛ فلا ينبغي أن ييأس المتعلّم بأن أحصره المعلّم . ألا ترى
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : الفقه .